الغزالي

16

جواهر القرآن ودرره

انقطع إليه ، والانقطاع إليه يكون بالإقبال عليه ، والاعراض عن غيره ، وترجمته قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا « 1 » . والإقبال عليه إنما يكون بملازمة الذّكر ، والإعراض عن غيره يكون بمخالفة الهوى والتّنقّي عن كدورات الدنيا وتزكية القلب عنها ، والفلاح نتيجتها كما قال اللّه تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى « 2 » . فعمدة الطريق أمران : الملازمة ، والمخالفة ؛ الملازمة لذكر اللّه تعالى ، والمخالفة لما يشغل عن اللّه ، وهذا هو السفر إلى اللّه ، وليس في هذا السفر حركة ، لا من جانب المسافر ، ولا من جانب المسافر إليه ، فإنهما معا ، أو ما سمعت قوله تعالى وهو أصدق القائلين وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 3 » ؟ بل مثل الطالب والمطلوب مثل صورة حاضرة مع مرآة ، ولكن ليست تتجلّى في المرآة لصدأ في وجه المرآة ، فمتى صقلتها تجلّت فيه الصورة ، لا بارتحال الصورة إلى المرآة ، ولا بحركة المرآة إلى الصورة ، ولكن بزوال الحجاب ، فإن اللّه تعالى متجلّ بذاته لا يختفي ، إذ يستحيل اختفاء النور ، وبالنور يظهر كلّ خفاء ، اللّه نور السماوات والأرض ، وإنما خفاء النور عن الحدقة لأحد أمرين : إما لكدورة في الحدقة ، وإما لضعف فيها ، إذ لا تطيق احتمال النور العظيم الباهر ، كما لا يطيق نور الشمس أبصار الخفافيش ، فما عليك إلا أن تنقّي عن عين القلب كدورته ، وتقوّي حدقته ، فإذا هو فيه

--> ( 1 ) الآية 9 / من سورة المزّمّل . ( 2 ) الآيتان 14 ، 15 / من سورة الأعلى ( 3 ) الآية 16 / من سورة ق .